وزارة التخطيط تبدأ مرحلة التخطيط المبني على الأدلة بإطلاق حزمة الدراسات المعمقة لتعداد 2024
 
في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من التخطيط التنموي والسياسات العامة المبنية على الأدلة والمؤشرات الميدانية، شهدت قاعة المؤتمرات في هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية بوزارة التخطيط، اليوم الإثنين، مراسم الإطلاق الرسمي لسلسلة الدراسات التحليلية المعمقة لنتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2024. وتضم هذه الحزمة البحثية 14 دراسة تخصصية، وطنية بالتعاون الوثيق مع صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، وبمشاركة نخبة من كبار الخبراء والأكاديميين والفرق الفنية المتخصصة.
وجاءت الاحتفالية بحضور معالي وزير التخطيط الدكتور المهندس قتيبة غازي مجيد و ووكيل وزارة التخطيط للشؤون الفنية الدكتور ماهر حماد جوهان المشرف العام على المشروع وحضور السيدة وكيل الوزارة _ الدكتورة هناء اسماعيل ، والسيد رئيس هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية الدكتور ضياء عواد كاظم والمديرون العامون في الوزارة وبقية الوزارات ، والممثلة المقيمة لصندوق الأمم المتحدة للسكان في العراق الدكتورة هند جلال، إلى جانب كبير المستشارين التقنيين للصندوق الدكتور مهدي محسن العلاق، ووكيل وزارة التخطيط للشؤون الفنية الدكتور ماهر حماد جوهان المشرف العام على المشروع.
الانتقال من إدارة الأرقام إلى استراتيجيات التنمية
أكد مسؤولو وزارة التخطيط وصندوق الأمم المتحدة للسكان في كلماتهم الافتتاحية أن إنجاز التعداد العام للسكان والمساكن لم يكن مجرد عملية إحصائية واسعة النطاق لعد السكان، بل محطة وطنية فارقة استعادت فيها الدولة التعرف الشامل على خصائص مجتمعها واحتياجاته الواقعية. وتهدف حزمة البحوث التحليلية إلى تفكيك البيانات الخام وتحويلها إلى لوحات تخطيطية ومصفوفات قطاعية ومكانية تخدم متخذي القرار، وتربط الموازنات الاستثمارية وبرامج الوزارات بالاحتياجات التنموية الدقيقة في كل قضاء وناحية في عموم المحافظات.
تفاصيل ومخرجات الدراسات الوطنية الـ 14 المنجزة
استعرضت الجلسة التخصصية التي قدمها الدكتور مهدي العلاق – كبير مستشاري الصندوق النتائج والمؤشرات التفصيلية للدراسات الـ 14 المنجزة، والتي شكلت خارطة طريق ديموغرافية وتنموية شملت القطاعات كافة:
1. التركيب العمري والنوعي للسكان وديناميكيات المجتمع
• أبرز المعطيات: أظهر التحليل الديموغرافي انخفاض معدل النمو السكاني السنوي في العراق تدريجياً ليصل إلى 2.51% في عام 2024 (مقارنة بـ 3.38% عام 1977). وبين الهرم السكاني انحساراً ملحوظاً في الفئات العمرية الصغيرة وتوسعاً في فئات الأعمار الفتية وسن العمل، مع وجود تفاوت واضح في معدلات الإعالة والأهرامات السكانية بين المحافظات؛ حيث تبرز محافظات فتية بقواعد عريضة، مقابل محافظات بدأت تضيق فيها القواعد العمرية الصغيرة.
2. الإسقاطات السكانية في العراق لغاية عام 2050
• أبرز المعطيات: حددت الدراسة مسارات النمو السكاني لغاية منتصف القرن الحالي استناداً إلى سنة الأساس (2024) التي بلغ فيها السكان نحو 46.12 مليون نسمة. وطرحت الدراسة 3 سيناريوهات لعام 2050:
• السيناريو المتوسط (المرجعي): يصل سكان العراق إلى نحو 73.77 مليون نسمة.
• السيناريو المنخفض (المتفائل): 72.74 مليون نسمة.
• السيناريو المرتفع (المتحفظ): 76.04 مليون نسمة. كما رصدت التوزيع المتوقع لسكان المحافظات بحلول 2050، متوقعة تخطي بغداد لحاجز 13 مليون نسمة ونينوى لنحو 7 ملايين نسمة، مما يفرض اعتماد التخطيط الإقليمي المتوازن وسد الفجوات الخدمية والمكانية مسبقاً.
3. دراسة الهبة الديموغرافية ومسارات استثمار النافذة السكانية
• أبرز المعطيات: وثقت الدراسة دخول العراق رسمياً مرحلة الهبة الديموغرافية ، حيث تجاوزت نسبة السكان في سن العمل (15-64 عاماً) 60% من إجمالي السكان. وجاء هذا التحول بدفع من تراجع معدل الخصوبة الكلي (TFR) من 4.3 طفل لكل امرأة عام 2012 إلى 3.1 في عام 2024. وصنفت الدراسة المحافظات إلى ثلاث فئات: محافظات ذات هبة ديموغرافية واضحة (محافظات الإقليم)، وأخرى في طور الدخول، وثالثة لا تزال في مرحلة الفتوة السكانية المرتفعة، داعية إلى تدخلات سريعة في التشغيل والتعليم والادخار للاستفادة من نافذة الفرصة السكانية قبل تحولها إلى عبء.
4. تحليل اتجاهات الهجرة الداخلية في العراق
• أبرز المعطيات: بنيت لأول مرة مصفوفة هجرة داخلية شاملة لحضر وريف العراق استناداً لأسئلة مكان الولادة والإقامة السابقة. وكشفت النتائج عن تصنيف المحافظات إلى جاذبة وطاردة؛ وتصدرت كربلاء قائمة الأقطاب الأكثر جاذبية في الحضر بصافي هجرة إيجابي بلغ (+138,955 نسمة) وبإجمالي وافدين بلغ 170,388 وافداً معظمهم من بغداد، تلتها الأنبار بصافي هجرة (+111,717 نسمة)، ثم كركوك (+104,478 نسمة)، ودهوك (+40,298 نسمة)، والسليمانية (+31,186 نسمة). وشددت الدراسة على صياغة سياسة وطنية للهجرة تربط التنمية المكانية وتأخذ بالاعتبار مخاطر الهجرة المناخية الناتجة عن شح المياه.
5. واقع ووضع المرأة في العراق
• أبرز المعطيات: شخصت الدراسة مفارقة هيكلية؛ ففي حين يوجد نحو 3.4 مليون امرأة يعانين من الأمية في العراق، تتسع ظاهرة "تأنيث البطالة النوعية" حيث ترتفع معدلات البطالة بين الإناث كلما زاد التحصيل الأكاديمي لتسجل 31.2% بين خريجات البكالوريوس والدبلوم العالي فأعلى. كما تتركز 81.1% من النساء العاملات في القطاع الحكومي والتعليم والصحة، مقابل 11.16% فقط في القطاع الخاص و4.38% كصاحبات أعمال. واقترحت الدراسة انشاء "المرصد الوطني لتمكين المرأة العراقية (IWEO)" كذراع حوكمة ذكي يعتمد نظام إنذار مبكر ومتابعة رقمية للسياسات المستجيبة للمرأة والرجل .
6. دراسة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات (ذوي الإعاقة)
• أبرز المعطيات: طبقت الدراسة تصنيفات ومعايير مجموعة واشنطن الدولية لحصر الصعوبات. وبينت النتائج أن أبرز أسباب الصعوبات المسجلة تمثلت بالأمراض المختلفة (أكثر من 1.55 مليون صعوبة/حالة)، والعيوب الخلقية منذ الولادة (نحو 959 ألف حالة)، والتقدم في السن (نحو 440 ألف حالة)، إضافة إلى الحوادث العامة والعمليات الحربية والإرهابية. وأظهرت المؤشرات الاقتصادية أن 20% ممن يعانون صعوبات حادة هم متقاعدون لا يعملون و19% يعانون عجزاً أو مرضاً دائماً، ما يفرض تبني إستراتيجية وطنية تتجاوز الرعاية السلبية نحو الحماية والتمكين وتوسيع التعليم الدامج والتأهيل الطبي والوظيفي.
7. القوى العاملة في العراق: بين الاختلالات الهيكلية وسياسات سوق العمل
• أبرز المعطيات: بلغ معدل البطالة الوطني الإجمالي 13.5%، مع تسجيل تباين واسع بين المحافظات تصدرته الأنبار (23.1%) والمثنى (21.6%) وميسان (20.0%)، بينما سجلت بابل (4.2%) وديالى (6.3%) أدنى المعدلات. كما كشفت البيانات عن هيمنة القطاع الحكومي والعام على تشغيل القوى العاملة بحوالي 3.39 مليون عامل من الذكور وأكثر من مليون امرأة. واعتمدت الدراسة ولأول مرة دليل العمل اللائق متعدد الأبعاد (فرص العمل، كفاية الدخل، بيئة العمل الآمنة، وساعات العمل).
8. دراسة القطاع غير المنظم في العراق
• أبرز المعطيات: أظهرت النتائج أن نسبة المشاريع غير المنظمة (غير المسجلة رسمياً) بلغت 57.4% على المستوى الوطني، وسجلت محافظات مثل واسط (75.9%) وبابل (72.6%) وميسان (72.4%) أعلى النسب. كما يهيمن نشاط تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات على أنشطة القطاع غير المنظم بعدد بلغ 319,044 منشأة، ما يفسر انخفاض القيمة المضافة والإنتاجية. ووضعت الدراسة خارطة طريق للانتقال العادل والتسجيل المتدرج عبر توفير حوافز ائتمانية وضريبية وضمانات اجتماعية للعمال.
9. رأس المال البشري في العراق: بين التحديات والفرص التنموية
• أبرز المعطيات: احتسبت الدراسة ولأول مرة مؤشر رأس المال البشري (HCI) وفق منهجية البنك الدولي، والذي أظهر تحسناً تدريجياً ليرتفع من 0.22 نقطة عام 2007 إلى 0.46 نقطة عام 2024. كما طبقت الدراسة "منهج الدخل" لتقدير القيمة الكلية لرأس المال البشري في الاقتصاد الوطني، والتي تصاعدت من 266 تريليون دينار عام 2006 إلى نحو 1,429 تريليون دينار في 2024، مؤكدة ضرورة ربط موازنات التعليم والصحة بالإنتاجية وسوق العمل المستقبلي.
10. خصائص الأسر وأوضاع السكن والعجز السكني
• أبرز المعطيات: سجلت نسبة تملك المساكن بين الأسر العراقية مستويات مرتفعة تتراوح بين 62% و83% عبر المحافظات (المثنى الأعلى بنسبة تملك تجاوزت 83%). وقدمت الدراسة حساباً دقيقاً لـ "العجز السكني الكمي"، حيث برزت فجوات كمية صافية حادة في محافظات العاصمة بغداد (عجز كمي بنحو 104,165 وحدة سكنية)، ونينوى، والبصرة، وكركوك. كما أظهرت المؤشرات وجود أكثر من مليون أسرة تعيش في حالة اكتظاظ سكني داخل مسكنها، منها 178,954 أسرة مكتظة تشغل جزءاً من مسكن وتحتاج بشكل ملح لوحدات سكنية جديدة مستقلة.
11. نفاذ الأسر العراقية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات
• أبرز المعطيات: أظهرت مؤشرات البنية الرقمية الوطنية امتلاك 84% من الأسر العراقية للهواتف الذكية (نحو 6.74 مليون أسرة من أصل قرابة 8 ملايين أسرة)، بينما بلغت نسبة امتلاك خدمة الإنترنت المنزلي الثابت 48%، في حين لم يتجاوز امتلاك الحواسيب الشخصية 9.94% والأجهزة اللوحية 7.96%. وتصدرت بغداد وديالى وميسان نسب الأسر المالكة لخدمة الإنترنت المنزلي، ورسمت الدراسة سيناريوهات لتقليص الفجوة الرقمية الريفية بحلول 2030 وتطبيق نمط الحكومة القائمة أولاً على الهاتف الذكي (Smartphone-first).
12. التخطيط الإقليمي والتنمية المكانية: إعادة تصنيف المناطق الحضرية والريفية
• أبرز المعطيات: دعت الدراسة إلى تصحيح جذري لآلية التصنيف الإداري التقليدي المعتمد على الحدود البلدية فقط. واقترحت اعتماد تصنيف مكاني حديث متعدد المعايير (سكاني وخدمي واقتصادي) يستحدث فئات تنموية جديدة تشمل: "مدينة ذات طابع ريفي" (أقل من 25 ألف نسمة) و"مدينة ذات طابع شبه ريفي" (أقل من 50 ألف نسمة) لتعمل كمدن صغرى وعقد تكاملية تقلص الهجرة نحو المدن الكبرى. وطبقت الدراسة هذا النموذج تجريبياً على نواحي محافظة نينوى لتوضيح توزيع الوظائف الحضرية والريفية.
13. مؤشرات أهداف التنمية المستدامة (SDGs)
• أبرز المعطيات: استخرجت الدراسة خط الأساس الإحصائي لغالبية مؤشرات التنمية المستدامة ذات الصلة بالفقر، التعليم، المساواة، والمياه النظيفة. وقدمت تقييماً لدليل الإنجاز التنموي العام للمحافظات؛ حيث حافظت السليمانية وأربيل وبغداد والبصرة وبابل على المراتب المتقدمة، كما حددت الاحتياجات المستقبلية الملحة للأبنية المدرسية وخفض الكثافة الصفية إلى 25 طالباً، والتوسع في مراكز الرعاية الأولية بحلول عام 2030، لا سيما في محافظات بغداد ونينوى والبصرة وذي قار والأنبار.
14. بناء وقياس دليل جودة الحياة في العراق 2024
• أبرز المعطيات: أطلقت الوزارة لأول مرة دليلاً وطنياً مركباً لجودة الحياة يدمج بعدين رئيسيين: "قابلية العيش" (الأمن والبيئة، التعليم، البنية التحتية، الرعاية الصحية) بوزن كلي، و"نمط الحياة" (المشاركة الاجتماعية، الثقافة والترفيه، والرياضة). وسجل المؤشر الوطني العام لجودة الحياة قيمة بلغت (0.402)، وحلت العاصمة بغداد في المركز الأول كأعلى جودة حياة بقيمة (0.61)، في حين سجلت نينوى أدنى قيمة بـ (0.24) متأثرة بتبعات الدمار السابق ونقص مرافق الرفاه ونمط الحياة، مما يقدم دليلاً حاسماً للحكومة لإعادة توجيه مشاريع صندوق الإعمار والخدمات.
خارطة طريق استراتيجية لتعزيز العدالة التنموية والمكانية
تؤسس مخرجات هذه الحزمة الوطنية المتكاملة من الدراسات التحليلية المعمقة لتحول نوعي في منهجية إدارة الموارد ورسم السياسات العامة في العراق، عبر الانتقال الحاسم من التقديرات النظرية إلى التخطيط التنموي المحكم والمستند إلى الأدلة والمؤشرات الميدانية الدقيقة.
وخلصت نتائج الدراسات إلى توصيات موحدة تدعو إلى:
• اعتماد نتائج التعداد العام للسكان والمساكن لسنة 2024 كمرجع وطني ملزم لكافة الوزارات والجهات القطاعية عند إعداد الخطط الخمسية والموازنات الاستثمارية السنوية.
• إنشاء منصة وطنية موحدة للبيانات وتوسيع توظيف نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لربط المؤشرات التنموية بالمستويات الإدارية الصغرى، وتحديد الاحتياجات الحقيقية بدقة على مستوى الأقضية والنواحي.
• إعطاء الأولوية القصوى للمحافظات والمناطق الأكثر حرماناً وجيوب الفقر، وسد فجوات البنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية، بما يحقق التوازن المكاني المستدام ويعزز كفاءة الإنفاق الحكومي في خدمة المجتمع.

 

 
Go to top